محمد أبو زهرة

93

المعجزة الكبرى القرآن

معان تتساوق مع المعنى الجملي للكلام ، وأن كل كلمة تكون بمفردها صورة بيانية تكون جزءا من الصورة العامة للقول ، وقلنا أن ذلك ليس معناه أن الكلمة لو جردت من الكلام تعطى وحدها ذلك الإشراق ، ولكن ينبثق نورها بالتضام مع غيرها من غير أن يفنى ضوؤها في ضوئه ، ولا تنمحى صورتها البيانية التي أشرقت بهذا التضام . وقلنا أن ذلك لم ينكره أحد حتى الجرجاني « 1 » الذي تشدد في اعتبار الأسلوب وحده هو سر الإعجاز ، من غير التفات إلى معاني المفردات . وإذا أردنا أن نحرر القول الذي رآه الأكثرون ، وخالف فيه الجرجاني ومن لف لفه ، فإننا نقول أن كلمات القرآن لها في تناسق حروفها ، وتلاقى مخارجها إشراق بلاغى ، ولكن لا ينكشف ذلك الإشراق إلا بالتضام ، أي أن الإشراق ذاتي ، وهو الأصل ، ولكن شرط ظهوره تضام الكلمة مع غيرها . وفي هذا المقام نتكلم على الأسلوب والصور البيانية التي تتكون منه ، والتآخي بين ألفاظه في النغم وفي تناسق القول ، بحيث تكون كل كلمة في موضعها الذي وضعت لا تنفر من أختها ، ولا يمكن تغييرها ، وكأن الكلمات في الأسلوب نجوم السماء وأبراجها ، لا تزايل أماكنها ، ولا تخرج من مواطنها ، ويقول في ذلك القاضي عياض في الشفاء : « الوجه الثاني من إعجاز صورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ، ولا استطاع أحد مماثلة شئ منه ، بل حارت فيه عقولهم ، وتدلهت دونه أحلامهم ، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر » « 2 » . وإن الأسلوب هو الصورة البيانية التي تظهر في معنى رائع ، وكلام مشرق ، يثير في النفس أخيلة الحقيقة يصورها ويبينها ، ويحس الإنسان فيها بأطياف المعاني ، كما يحس بأطياف الصورة على حسب تثقيف المصور ، وحسن الاختيار في ألوان الصور ، فللأساليب ألوان تحسن ، وتنسق ، وتصريف في أوضاعها كما قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [ الأنعام : 65 ] . ولقد قال في هذا المعنى الخطابي « 3 » في رسالة إعجاز القرآن : « وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لجام الألفاظ ، وزمام المعاني ، وبه تنتظم

--> ( 1 ) هو عبد القاهر الجرجاني توفى توفى سنة 471 . ( 2 ) الشفاء ج 1 ص 176 . ( 3 ) أديب لغوى محدث توفى سنة 388 ه .